ابن العظم
16
السر المصون ذيل على كشف الظنون
وحل دور العقيدة والايمان مع إطلالة الإسلام ، وبدأت الحرب على الأوهام والخرافات وكان الدين منطلقا لكل توجه وقد ملك على الناس عقولهم ، وأصبحوا يصدرون عنه ، فكان أساس الحركة العلمية ، وأصبح أساس التأريخ فيه سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وغزواته ، والفتوحات الإسلامية . وتوجه الاهتمام إلى القرآن والحديث والفقه ومسائله ، ثم بدأت تتكاثر العلوم في العهد العباسي ، وبدأت حركة الترجمة والتعريب ، فترجمت الفلسفة اليونانية والرياضة الهندية وتواريخ الفرس واليونان والرومان ، وفتح ذلك ميدانا رحبا للصراع الفكري حول الأديان ، وكان أهل الأديان الأخرى يدعون إلى أديانهم بالعقل والمنطق ، فأصبح طبيعيا أن يفعل المسلمون ذلك ، فتأثر تفسير القرآن والحديث بالأمور الفلسفية وهي الظاهرة المستجدة في العصر العباسي بعد أن كانت في العصر الجاهلي مجرد نظرات في الطبيعة والإنسان ، تفتقر إلى الترابط ، وخبرات بدائية في الطب والكهانة يرويها الخلف عن السلف ، ورواية للشعر لا تعتمد الدرس والتحليل . وكان العلم الديني في مبدأ الأمر غير خاضع للتبويب فليس هناك علم مستقل اسمه التفسير ولا الفقه ، بل كان الدارس في الفقه يخوض في الحديث والتشريع والتفسير والشعر ، هذا في القرن الأول الهجري ، وما أن استهل القرن الثاني حتى بدأ الاتجاه العلمي يستقر إلى تمييز العلوم ، وبدأ تدوين الفقه والحديث والتفسير ، فصنف ابن جريج « 1 » ، ومالك « 2 » ، والأوزاعي « 3 » ، وابن أبي عروبة « 4 » ، وغيرهم . ودونت كتب العربية واللغة والتأريخ وأيام الناس ، وتمحورت الدراسات في هذا العصر حول نوعين : دراسة دينية ودراسة دنيوية ولكل منهجه . وذلك ما عبر عنه ابن خلدون في مقدمته « إن العلوم صنفان : صنف طبيعي
--> ( 1 ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، فقيه الحرم المكي ، كان إمام أهل الحجاز في عصره ، أول من صنف التصانيف في العلم بمكة ، رومي الأصل من موالي قريش ، مكي المولد والوفاة ( 80 - 150 ه / 699 - 767 م ) وثقه العجلي وغيره ، وقال الذهبي : كان ثبتا لكنه يدلس ، ترجم له ، الخطيب البغدادي ، تأريخ بغداد ، 10 / 400 . وابن خلكان ، وفيات الأعيان ، 3 / 163 . ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 6 / 357 . ( 2 ) الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي ، إمام دار الهجرة واحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، مولده ووفاته في المدينة ( 93 - 179 ه / 712 - 795 م ) كان صلبا في دينه لا يمالئ السلاطين ولا يتقرب إليهم ، من أهم تصانيفه « الموطأ - ط » ترجم له ، أبو نعيم ، حلية الأولياء ، 6 / 316 . ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 10 / . 5 سركيس ، معجم المطبوعات العربية والمعربة ، 2 / 1609 . الزركلي ، الاعلام ، 5 / 257 . ( 3 ) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو امام الديار الشامية في الفقه . ولد في بعلبك ونشأ في البقاع ثم سكن بيروت وبها توفى ، كان مهابا من السلاطين جريئا في الحق غزير العلم صاحب مذهب ، له « السنن » في الفقه و « المسائل » ولادته ووفاته ( 88 - 157 ه / 774 م ) ترجم له ، أبو نعيم ، م . س ، 6 / 135 . النووي ، تهذيب الأسماء واللغات ، 1 / 298 . الزركلي ، م . س ، 3 / 320 . ( 4 ) سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي بالولاء ، البصري ، أحد حفاظ الحديث الثقات له تصانيف . وفاته ( 156 ه / 773 م ) ترجم له ، ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 4 / 56 . الذهبي ، ميزان الاعتدال ، 2 / 151 ؛ الزركلي ، م . س ، 3 / 98 . روى له الستّه .